تتفق أو تختلف مع نهج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، إلا أن الرجل من خلال ما دشنه فى فترته الأولى، ثم بعد مرور ما يقرب من سنة ونصف السنة من ولايته الثانية، يمثل حالة صاخبة، مختلف عن كل ما سبقوه للبيت الأبيض، لذلك فإن ما يحدث حوله لم يعد تهديدا أمنيا عابرا، بل تحول إلى نمط متكرر من محاولات الاغتيال والاختراقات الأمنية!
يكفى معرفة أن محاولات اغتيال دونالد ترامب وصلت إلى ثلاث مرات خلال أقل من عامين فقط، آخرها إطلاق نار فى قلب حدث رسمى عالى التأمين، وفى قلب واشنطن العاصمة، ما يدفع لطرح السؤال الصادم: هل نحن أمام ظاهرة فردية، أم هناك خلل عميق فى بنية الدولة والمجتمع الأمريكى؟
حادث إطلاق النار الأخير، الذى استهدف عشاء مراسلى البيت الأبيض، كشف أن التهديد لم يعد نظريا، وإنما واقعا متكررا، عندما تمكن مسلح من الوصول إلى محيط حدث يشارك فيه الرئيس نفسه، فى خرق أمنى خطير، ورغم الإجراءات المشددة!
للاقتراب من الصورة أكثر، لفهمها، لا بد من قراءة الواقع كسلسلة مترابطة، بدءا من يوليو 2024 عندما تعرض ترامب لمحاولة اغتيال خلال تجمع انتخابى، أصيب خلالها بإصابات طفيفة، بينما قتل أحد الحضور، وهنا الصدمة لم تكن فى الحادث، وإنما فى الإخفاق الأمنى الذى اعترفت به أجهزة الحماية لاحقا، ومرورا بالمحاولة التى أُحبطت، عندما أمكن رصد مسلح يحمل بندقية قرب معلب جولف يمتلكه دونالد ترامب، وكان معد خطة لقتله، ثم أعقبها رصد تقارير أمنية، لتهديدات من جهات خارجية، بالتخطيط لاغتياله.
وأخيرا، كانت أحدث حلقة فى سلسلة محاولات التخلص من دونالد ترامب، ما حدث منذ أيام، فى قلب واشنطن، عندما تسلل مسلح، واقترب كثيرا من المكان الذى يحتضن ترامب وأهم رجاله، بما فيهم نائبه، جى دى فانس، وكاش باتيل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالى الـFBI، واشتبك معه الأمن، وألقى القبض عليه، وهى المرة الثالثة فى حلقات مسلسل محالات اغتيال الرئيس الأمريكى الحالى، فى أقل من عامين، ما يؤكد أن هذه الحلقات ليست أحداثا منفصلة، بل نمط تصاعدى واضح!
نعود لطرح السؤال المحير، لماذا ترامب تحديدا تلاحقه مطاردة رصاص الاغتيال؟ الإجابة ليست صعبة أو معقدة، فأى مراقب، أو متابع عادى لنمط إدارة دونالد ترامب، سيكتشف بكل سهولة ويسر أن الرجل شخصية مستقطِبة بامتياز، فهو ليس سياسيا تقليديا، بل ظاهرة سياسية تثير انقساما حادا حوله، ما بين قاعدة شعبية اعتبرته فى البداية منقذا، ومعارضة تراه خطرا وجوديا على الولايات المتحدة الأمريكية، والمتسبب فى عزلتها، وكراهيتها من أقرب حلفائها التقليديين.
هذا الاستقطاب الحاد، ساهم فى تهيئة بيئة خصبة للعنف، وكما أكدنا أن الرجل يُنظر إليه باعتباره المحطم لقواعد اللعبة، الذى أعاد تشكيل السياسة الأمريكية، وتحدى المؤسسات التقليدية، وأعاد صياغة وتعريف الخطاب السياسى، الأمر الذى خلق ضده أعداء بين دوائر النخب السياسية وغضب من البيروقراطيين.
نأتى للسؤال المهم: من المستفيد من اغتيال دونالد ترامب ولصالح من؟ وفقا للتحقيقات فى الحواث الثلاثة الأخيرة، فإن الذئاب المنفردة هى التى وراء تدبير المحاولات، أى تخطيط فردى بعيدا عن أى تنظيمات.
وفى حالة الابتعاد عما تضمنته أوراق التحقيقات، فلا يمكن تبرئة البيئة المحيطة الدافعة لخلق تطرف قوى، وخصوم سياسيين غير مباشرين، مع الاعتراف بأن التاريخ الأمريكى ملىء بمحاولات الاغتيالات، ومنها ما نجح بالفعل.
لكن فى المقابل، يشكك عدد من المحللين فى محاولة الاغتيال برمتها، تأسيسا على دراسات تحليل الخطاب السياسى فى العموم، التى تخلص إلى أن الأحداث العنيفة المرتبطة بترامب، تثير موجات تفاعل عاطفى حاد، يتجاوز السياسة إلى الهوية، وبما أن الاستعدادات لانتخابات التجديد النصفى للكونجرس بغرفتيه، والمزمع إقامتها نوفمبر المقبل، قد بدأت، فربما يكون الحادث مدبرا لاكتساب تعاطف انتخابى بعد التراجع الحاد فى شعبية ترامب.
رغم الاختلاف فى توصيف محاولة اغتيال ترامب، التوصيف الدقيق، فإن هناك حقائق لا يمكن انكارها، تتعلق بأن المجتمع الأمريكى يعيش حاليا مرحلة جديدة، يسودها استقطاب وانقسام حاد، وتصاعد خطاب الكراهية، وتزايد فى انتشار السلاح، كلها عناصر تشكل بيئة خطيرة، وقابلة للانفجار فى أى لحظة.
ومن هذا المنطلق، فإن مطاردة ترامب بالرصاص لا يمثل لغزا غامضا، بل نتيجة مباشرة لهذا الانقسام والاستقطاب وتصاعد خطاب الكراهية فى المجتمع الأمريكى، ما يدفع إلى طرح السؤال الثقيل، هل تستطيع أمريكا النجاة من مسار الاستقطاب والكراهية قبل أن يتحول العنف من استثناء إلى قاعدة؟!
الأيام والشهور المقبلة هى التى تحمل فى جعبتها الإجابة!